صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
101
حركة الإصلاح الشيعي
يتبعون فتاواهم في كل العالم الشيعي . وكانت كلّ جلسة تبحث مسألة شرعية ، وكان على الطلاب أن يكونوا على علم عميق بالكتب التي يستشهد بها شيوخهم وكانوا يحالون إليها وليس لهم سبيل مادي إليها . وكان الشيخ يعرض المسألة ويعطي فيها آراء مختلف العلماء المشهورين والمشهود لهم ثم يشرح رأيه قبل أن يدعو طلابه إلى الكلام بدورهم لكي يغنوا النقاش بآرائهم وحججهم . وكان هذا التمرين يهدف إلى ترويضهم على ممارسة الاجتهاد : فكان عليهم أن يتمكنوا بجهدهم الشخصي ، من استنباط الحجج الشرعية انطلاقا من الأصول الأربعة للشرع الإسلامي وذلك تبعا لمنهج عقلي يمليه علم أصول الفقه . وكانت هذه المجالس إذن مجال دربة للطلاب على أن يكوّنوا آراءهم الشخصية ويشرحوا حججهم التي دفعتهم للأخذ بهذه الآراء . ويشرح عبد الحسين شرف الدين هذه الطريقة في مجال عرضه لدراسته على حسن الكربلائي في سامراء : « وكان يغريني بمناقشته ، ويحدوني على نقض ما يبرمه ، وإبرام ما ينقضه ، ويرهف عزمي لمناظرة العلماء الأفاضل ، ويشحذ رأيي لدفع الحج المزيفة » « 117 » . وبالفعل فقد كانت المواجهات بين الشيخ والطلاب وبين الطالب ورفاقه الآخرين تتخذ وجهة المناظرات بين العلماء ، إذ كان كل واحد يرغب في إقناع الآخرين بصحة رأيه وكذلك في إظهار كفاءته . وكان الطلاب المتخلفون أو المنزوون لا ينبسون ببنت شفة . وكان من يغامر من الكسالى في التدخل في النقاش برأي غير سديد ، يسفّه رأيه بقساوة من قبل الشيخ في بعض الأحيان ، ومنهم من كان لا يتورع عن فعل ذلك بالنكتة اللاذعة الكفيلة في ردّ كل مشوش إلى موقعه « 118 » . أما الطالب المجلّي فكان له في هذه المجالس من الفرص في أن ينطلق في براهينه وأن يعقد النقاش وأن يحاول إقناع سامعيه بسهولة وثبات رأي كان قد حصّلهما من سعة معارفه ومن تجويد منهجه في آن معا . ولكثرة ما كان يمارس الاجتهاد فإنه كان يصبح مجتهدا . وتصبح مداخلاته في الدروس موضع انتباه أقرانه ويعامل باحترام ويذكر اسمه في المجالس . ولا يبقى له سوى أن يحصل من كل شيخ من مشايخه على إجازة تشهد بأنه بلغ المرحلة التي يحصّل فيها العالم ملكة الاجتهاد ، وتحضّ المؤمنين على اتباع أحكامه . وكلما كانت إجازة الاجتهاد هذه صادرة عن عالم كبير ، كلما كانت قيمتها كبيرة تكرّس حاملها . وكان العلماء العامليون ، كغيرهم من العلماء ، يحافظون على هذه الإجازة بعناية كبرى وكانوا يستنسخونها في بعض كتبهم لكي يعرضوا على الملأ ما يضمن كفاءتهم . وقد عرف نوع آخر من الإجازة ، وهو إجازة الرواية ؛ وكان الشيخ بمقتضاها يجيز لطالبه أن ينقل
--> ( 117 ) . عبد الحسين شرف الدين ، بغية الراغبين المجلد الثاني ص 68 . ( 118 ) . يروي محسن الأمين من هذه الحوادث التي كان شاهدا عليها يوم كان يدرس في النجف . أنظر سيرته ص 112 - 113 . وقد رويت لي نكات حول تهكم رجال الدين على طلابهم المتخلفين .